محمد بن جرير الطبري

10

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ، فاستنكفت منه وقالت : أنا خير منه حسبا ، وكانت امرأة فيها حدة ، فأنزل الله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً الآية كلها . وقيل : نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وذلك أنها وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزوجها زيد بن حارثة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً إلى آخر الآية ، قال : نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت من أول من هاجر من النساء ، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فزوجها زيد بن حارثة ، فسخطت هي وأخوها ، وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده قال : فنزل القرآن : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ إلى آخر الآية قال : وجاء أمر أجمع من هذا : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال : فذاك خاص ، وهذا إجماع . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ . . . لِكَيْ لا يَكُونَ . . . مَفْعُولًا يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عتابا من الله له وَ اذكر يا محمد إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالهداية وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالعتق ، يعني زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ، وذلك أن زينب بنت جحش فيما ذكر رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته ، وهي في حبال مولاه ، فألقي في نفس زيد كراهتها لما علم الله مما وقع في نفس نبيه ما وقع ، فأراد فراقها ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيد ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وهو صلى الله عليه وسلم يحب أن تكون قد بانت منه لينكحها ، وَاتَّقِ اللَّهَ وخف الله في الواجب له عليك في زوجتك وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ يقول : وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها لتتزوجها إن هو فارقها ، والله مبد ما تخفي في نفسك من ذلك وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ يقول تعالى ذكره : وتخاف أن يقول الناس : أمر رجلا بطلاق امرأته ونكحها حين طلقها ، والله أحق أن تخشاه من الناس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وهو زيد أنعم الله عليه بالإسلام ، وأنعمت عليه أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ قال : وكان يخفي في نفسه ود أنه طلقها . قال الحسن : ما أنزلت عليه آية كانت أشد عليه منها قوله : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ولو كان نبي الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتمها وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ قال : خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم مقالة الناس . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : كان النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ، ابنة عمته ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يريده وعلى الباب ستر من شعر ، فرفعت الريح الستر فانكشف ، وهي في حجرتها حاسرة ، فوقع إعجابها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر ، فجاء فقال : يا رسول الله ، إني